أيها الحب، قلبي أكبر من حرفين، و أصغر
من أن ترسم مملكةً لك.
سأحدثك عن حكايتنا، قبل أن تغفو أو تشتعل.
من يصدق أن ذاك الكائن الباكي على الدوام ـ المطر ـ هو من أتى بفرح العمر،
ليقف إلى جواري على الرصيف في إنتظار الحافلة. من يصدق أنّ على الرصيف
كانت الحياة تحيك لنا قدراً مختلفاً على طريقتها.
كنت تسترق النظر إليّ من تحت "كابك" المبتل. تتسلل عينيك إلى
عينيّ:
"Excuse me, Miss. Do you know what time it is?"
سمعتك، لكني لم أجيبك. صوتك لم يكن غير حلم، و نحن لا نحدث الأحلام.
كنت مشغولة بالبحث عنك في مخيلتي. لم أدرك أنّ الحلم الذي أرسم ملامحه و
أشيد له الأسس، يقف إلى جواري مكتمل الصورة و الجسد، ينتظر جواباً مني عن
الوقت.
الحب يأتي في اللاوقت واللا زمن. و هكذا نحن دائماً، نفشل في رؤية الأمور
عندما تكون في ذروة الوضوح. ترى ما كان الوقت حينها؟ هل كان صبحاً، أم
نهاراً، أم أنه كان زمناً يسمو عن الوقت، حقاً؟
لستُ أعرف. كل ما أعرفه هو أنّ الفلسفة التي صنعتها لنفسي كي أتفق مع
الكون، كتب التنجيم و الدين، لوحاتي الزيتية الرخيصة، قهوتي البرازيلية،
رائحة شعري، أخبارالسياسة و عدد الدماء، عطري الفرنسي، طفل جميل يلوح لي
أمام محطة المترو، سيمفونية لبيتهوفن تنبعث من محلٍ لبيع الكباب العربي،
حديث أخي عن الإرادة و المستقبل الذي يؤكد لي أنه سيأتي، و ابتسامة لكَ
نسيتها على شفتي... كل شيء يذكرني بك. كل شيء يصر على استحضارك. صوتك،
تفاصيلك، و حتى كذبة قلتها لي لأصدق أني أجمل، أمور تتجسد لتعيدك.
"أنتِ أجمل مما هو أجمل"...قلتها و أنت تمسح آثار الريح من على شعري، و
أصدقك.
كنتُ جميلة حقاً. كنتُ جميلة بك/ لك. أما الآن فما أشبهني بالوهم الذي يقف
محايداً بين قبح و جمال. أنا كالخيال الآن، امرأة شبح، رحلت عنها الروح،
يتنازعها الموت و التيه ليكسبها الصمت.
لستُ وحيدة، فأنت لم تفارقني حتى الآن. أنت تسكنني أبداً. و لستُ حزينة،
فصوتك مازال يدوي فيَّ. إنما أنا متعبة فقط. أحاول أنّ أنفصل عن العالم
دونما فائدة. ليت لي أن أرسم كوناً يشبهك. ليت لي أن أعرف كيف أقترف
البياض مثلك. ليت لي أن أطمس كل ما حولي إلا ذكراك.
لا أريد أنّ أسمعهم، لا أريد أن يعكروا انشطاري. لهم الجسد. لهم الملموس
مني، و لي مخيلتي و ذكراك.
"لا حول ولا قوة إلا بالله" تكررها و الدتي كلما تعثرت بسكوني. لو تعرفين
يا أماه كم يرضيني هذا الصمت، و كم يرمم من الخراب في داخلي، لما أنهكتِ
قلبكِ بي هكذا. فقط، لو تعرفين...
تقول صديقتي التي لا أعرفها: هل تملكين إجابات لأسئلتي؟
كيف ذلك، و أنا نفسي مجرد سؤال يكرر نفسه على الحياة دون جواب.
لستُ أمتلك الإجابة، يا رفيقة، و إنما أعرف الطريق إليها، ككل واحد منكم.
أنتم أيضاً تعرفون الطريق إلى الإجابات لكنكم تفضلون التقاطها من أفواه
الغير، لتختصرون العناء، فتخرج مبتورة غير مرضية، لذلك تضطرون إلى تكبد
المشقة مرتين. ما أتعسكم.
و تسألني عن الحب: هل سيعود؟
حتماً سيعود، و لستُ أعلم الغيب، لكني أعرف الدنيا ما يكفي لأن أفهمها.
توقفي عن البحث عنه، و لا تنتظريه، و سيعود. ما نفقده يعود عندما ننساه،
عندما يفقد قيمته، و نفقد رغبتنا في إمتلاكه. حينها، و حينها
فقط يعود بقوة... فنرفضه بقوة أيضاً.
قبل الغروب خرجت لأن الغروب كان يحكي شيئاً عنك، فقررت سماعه. و إذا بوجه
خديجة. هل تتذكر خديجة؟ تلك الفتاة المغربية المصبوغة بسمرة فرعونية
فاتنة، و التي تقسم كل ما رأتنا أننا أجمل شيء صادفها؟
سألتني:
ـ ويش أخباره؟
ـ ليش ما تقولي ايش أخباري أنا؟
ـ من أخباره أعرف أخبارك!
تضحك من قلبها. لم أكن أدرك من قبل عمق توغلك فيّ. حتى هم يرونك. يرونك في
كل شيء لي/ عني/ مني. يرونك. لم أعد قادرة على كتمك. و كأن كتماني يكشفني
أكثر.
أفتقدك. أبحث عنك في كل الوجوه، في كل ما يصدفني، أبحث عنك كي أقهر الموت
كل ما تسلل إلى صدري. أبحث عنك حتى في راحة ابن أخيك، رسولك الأمين الذي
كان يأتي إليّ و في يده قميصٌ لك، يهرول لاهثاً نحوي كمن يحمل على عاتقه
النبوءة، فأتلقفه وهو يتعثر في أنفاسه:
ـ عمو، عمو!
ـ ماله عمو؟
ـ عمو يحبك. قال إنه يحبك مووووووت.
كم كانت تحييني هذه الكلمة "موووت" ! كم كانت تحييني.
صدقني حين أقول أنني ما زلت أشعر بيديك و هي تحتضن يدي و نحن على ضفة نهر
لن أذكر اسمه، لأن العناوين و الأسماء تُفقد الأمور قيمتها، و تمسخ
الروحانية فيها. سألتني حينها:
ـ اختاري واحدة من عينيك.
ـ ليش؟
ـ بس اختاري.
فقلت: حاختارهم الإثنين. و أشرت إليك.
حينها شعرت بأن الكون أكبر مما هو عليه! أكبر بكثيرٍ جداً مما هو عليه. لم
أدرك أنك تطوقني بذراعيك.
بعدها قلت لي و أنت تمسك بقطعة نقدية بين كفيك: طيب...هاه؟
فاخترتُ، و ليتني لم أفعل.
قلت و أنت تكشف عن حظي: آه، الظاهر إنك مش جايه معي.
شيء من لهب بدأ يحفر في قلبي: هاه؟ وين؟
و قبل أن أعرف، و قبل أن تجيب كنتَ قد رحلت!
و غبت خلف الحدود، خلف الغيب، خلف السكون لتعود في بياض، على أكتاف
الرجال، تحفك النساء بالزغاريد: "هذا الشهيد! هذا البطل! هذا
الذي مات فداءً للوطن!"
أي وطن؟ أولم تكن أنت الوطن؟! أولم تكن؟
إذن عن أي وطنٍ يتحدثون، و ما قيمة التراب و الأحجار بعدك؟
قد فازت السماء و خسرت الأرض. فازت السماء و خسرت الأرض..
لمَ؟ لمَ رحلت؟ لمَ رحلت و استودعتني الذكرى، و ركام أحلام تموت
قبل أن تولد؟
لمَ أخذتني إلى الجنة و تركتني خارجها؟ لمَ؟ ألم تقسم أنك ستبقى حتى
يأخذنا الموت معاً؟
لمَ تكبر فيّ رغم رحيلك، لمَ؟
يا الله، يا رب..
لم يعد لي سواك. ساعد هذا البركان ليهجرني. يا الله. افصلني عن هذا
العالم، لم يعد فيه ما يكفي حتى لقليلٍ مني.
أرزقني موتاً يشبه ذاك الذي أخذ حبيبي. أريد أن أموت شهيدة
مثله. أريد مكاناً عندك يشبه عينيه. و أريدهم أن يعطروني حين
موتي بأنفاس حبيبي، كي أصل إلى الجنة أزكى من المسك. أريد يا الله، أن
أموت، كي أكون إلى جواره. يا الله..